yassine® مراقب


   العمر : 19 سجّل في : 06 فبراير 2008 عدد المساهمات : 218 المملكة المغربية :  البلد : المغرب
| موضوع: تأملات في الدراما والتمثيل/ د.هيثم عبد الرزاق الإثنين فبراير 11, 2008 7:52 pm | |
| تأملات في الدراما والتمثيل / د.هيثم عبد الرزاق
:: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته::
إن المسرح منذ نشوئه لم يعتمد على نص مكتوب، ومقبول عملياً أن نتركه جانباً في البداية وأن نجعل المؤدي مدركاً لقوته وطاقته وكيف تتحوّل هذه الطاقة الى قوة خلاقة، لأن وجود الطاقة سابق على التعبير وسابق على النص والتحكم بالطاقة كذلك سابق على التعبير والنص. فالتعبير والنص من النتائج العملية والتجريبية للطاقة في علاقته بالتحكم بالفضاء لهذه النصوص لا تتحدث عن كيفية التعبير إنما عن درجة تحكم هذه الشخصيات بفضاء العلاقات. الطفل عندما يتعلم المشي لا يهمه المعنى والموضوع بل يركز على قدرة جسده على التوازن وكيفية توزيع الطاقة على الجسد، وبالخبرة العملية يقاوم جاذبية الأرض كي لا يسقط وبعد أن تخزن هذه المهارة في جسده قد يناقش المعنى وفلسفة المشي في المراحل المتأخرة وعلاقة ذلك بالفضاء وبالشخصية.
إن انشغالنا المطلق واللامتناهي بالمعنى والفلسفة والتجريد أفقدتنا القاعدة المادية للحركة و الانتقال والتطوّر. إن الغاية الأساسية هي أن نترك المؤدي يكتشف بنفسه وبأجهزته قانون اللعبة ولا نملي عليه القانون المسرحي لأن الإنسان مسكون بالمسرح قبل تحول المسرح الى ظاهرة ثقافية وهذه تتطلّب أن نفكر بهذه الأجهزة ومهارتها كحالة إجرائية أكثر من انشغالنا بالمعاني التي تخلقها هذه الأجهزة مستقبلاً، لأننا لسنا مسؤولين عن المعاني مسؤولية مباشرة في عملية صناعة البيئة التدريبية لأن المعاني والأخلاقيات والقيم مرتبطة بالرؤيا وبمعطيات الفترة والموقع والتاريخ، وليس هناك قاسم مشترك للمعاني أو القيم تصلح لكل الفترات أو الأزمنة، حتى إن الاختلاف ضرورة تطورية لكن علاقة المهارة بأجهزة الإنسان وتطوير أجهزة الإنسان الأدائية يمكن إخضاعها لفرضيات بصيغة تمارين تكون هذه التمارين قاعدة مادية مشتركة لكل فترة ولكل عصر (كتنظيم الطاقة ـ كيفية استثمار الطاقة ـ الاسترخاء ـ تطوير منظومة التركيز ـ تطوير منظومة العضلات....) هذه المهارات وتطويرها تصلح لكل العصور ولكل الفترات على صياغة المعنى والرؤيا بمهارة أكبر بما ينسجم مع جسم الإنسان وكيفية تقديمه في الفراغ لتتحوّل بالتالي الى رسالة ومعنى وحضور. هذا المحور لمادة فن الممثل يعطي قاعدة مهمة لتداول ثقافة الأداء والحضور بما ينسجم مع متغيرات ومعطيات الفترات المتلاحقة أي أننا نضع الأجهزة التي تحتاج الى مهارة وتطوير على المحك مباشرة وفي بيئة منشطة. وهذه العملية القبل ثقافية لتداول المعنى تحقق للمؤدي مساحة أكبر للاختيار والحرية والاختلاف قبل أن نفرض عليه المعاني لتتكرر من جيل الى جيل. هنا يبرز أمامنا السؤال الانثروبولوجي (ما هي القاعدة ما قبل ـ الثقافية التي تسمح بتعريف سكان الوسط المسرحي أي الممثلين رغم الاختلافات الثقافية المتعددة). هنا يبرز مرة أخرى سؤال مهم.. هل تستطيع كلية الفنون الجميلة قسم الفنون المسرحية تخريج مؤدين يملكون مهارات مهنية تخص الوسط المسرحي؟ مجتمع الممثلين يتداولون ويعالجون ثقافة مجتمعهم مستقبلاً ليس كما هو عليه الآن داخل توابيت وعادات المسرح إنما كما يجب أن يكون عليه في المستقبل. الممثل ساكن المجال المسرحي وهو في الوقت نفسه يسكن مجالاً اجتماعياً معيناً ويظهر هنا على السطح سؤالاً بديهياً هل البحث يتناول المجال المسرحي ومهاراته بمعزل عن المجال الاجتماعي؟ البحث يتناول علاقة المهارات بالمنهج الأكاديمي المتخصص انطلاقاً من الفرضية القائلة أن الممثل ساكن المجال المسرحي، ولكن ما هو هذا المجال وما علاقته بالإنسان والمجتمع. المسرح قائم على الفكرة الهوية، وهذه العملية امتدادات لطقوس التلقين التي تطورت عنها هذه الفكرة، كما هو معروف ان وظيفة التلقين التي هي قبول الصغير الى مرتبة البالغ ـ يعبّر عنها في الفكر البدائي كاعتقاد بأن الصغير يموت ويولد مرة أخرى. ولا تنطوي هذه الفكرة على مجرد الولادة والموت كما نفهمها مادياً إنما هذه الفكرة تنطوي على زوال حالة ونمو حالة جديدة أي أنها قائمة على فكرة النمو والانحطاط. كانت هذه العملية تجري في المجتمع البدائي بشكل طقوس تمثيلية أو رمزية حول زوال هوية واقتناء هوية جديدة لكن تحقق التحول كان لا يتم إلا باجتياز امتحان المهارة شرطاً أولياً لتحقيق التحوّل (موت الجهل وولادة المعرفة) وفي العديد من طقوس التلقين كان الولد يلبس ملابس البنت والبنت تلبس ملابس الولد كأساس تدريبي لكي يحصل على هوية جديدة ولكي يكتسب مهارة القطب الآخر، لأن ذلك جزء من محيطه الاجتماعي عليه أن يستبدل الهوية أو يغير القديمة بالجديدة. وهذه توفر له فرصة أو مساحة لقراءة هوية الآخر. وفي العديد من القبائل حين يؤخذ الأولاد للتلقين تندبهم أمهاتهم باعتبارهم موتى على أساس أن المبتدئ لكي يحصل على هوية جديدة فإن عليه أن يهرب ويتخلّص من الهوية القديمة، وهذه سنة أبدية لأن الحياة تتطوّر باستمرار والهوية القديمة مرتبطة بفكرة الجهل. الإغريق الدراما الإغريقية قائمة على فكرة التحوّل، التحوّل من الجهل الى المعرفة والتعرّف على الهوية القديمة التي استنفدت إمكانياتها الأدائية فهي إذن تشير الى النمو والاضمحلال، فالبطل يترك اسمه القديم وهويته القديمة لكي يكون في مواجهة مباشرة مع الهوية الجديدة ومتطلباتها، ولكن هذه العملية لا تتم إلا بالتطهر من الانفعالات والأفكار الضارة التي تشكل الهوية القديمة بواسطة الاختبار والمعاناة وكبح الشهوات أو لتحرير الهوية الجديدة. فالعملية التوازنية بين كبح أدوات وأجهزة طاقة الجسد في منطقة وتحريرها في منطقة أخرى بواسطة وضع هذه الأجهزة مع الموقف والحدث مباشرة. فكان الأطفال يؤخذون الى مؤسسات دينية لكي يتم اختبارهم بالأسئلة والأجوبة. وكانوا يضعونهم في مواجهة مباشرة وعلى المحك مع امتحانات الاحتمال والقتال والقوة، ويتقاتلون في معارك زائفة لتطوير أجهزتهم ومهاراتهم، فأي فشل في هذه الاختبارات كانت لا تؤهله لاكتساب هوية جديدة. فالمواطنة والاندماج مع المجتمع المتحرك كانت مرتبطة بالهوية الجديدة التي يكتسبها المتدرب الماهر وبعد ذلك يتأهل لممارسة الفعل المعنوي طالما أصبحت مهاراته وأجهزته ومراكز طاقته متدرّبة وماهرة في الجمعية السرية التي تخص العشيرة أو القبيلة. لذلك يلاحظ الباحث بأن مجمل العملية قائمة على (لأجل أن تقول شيئاً) عليك أن تضع أجهزتك كإنسان في المحك العملي لكي تتطوّر هذه الأجهزة والمراكز بواسطة فرضية التمرين والتدريب وتختزن مهارات لكي تستطيع أن (تفسر أو تقول شيئاً). ففي الطقوس الدينية السرية كانوا يفسرون الـ(Dromena) بالأشياء التي تفعل ثم بعد ذلك تنتقل الى مرحلة الأشياء التي تقال. عليه فلا نستطيع أن نفسر ونحلل الأقوال والظواهر الغامضة إلا بعد أن تتدرب كمؤد في الجمعية السرية على الفعل وبعد ذلك تفسر حلماً أو فألاً أو تجيب عن تساؤل. فكانت الجمعية السرية تميّز بين الأشياء التي تقال (Legmona) والأشياء التي تفعل (Dromena). لذلك عندما نفرض على المؤدي أو الطالب من البداية في معهد الفنون الجميلة وأكاديمية الفنون الجميلة تداول وتفسير المعاني وتحليل الشخصيات كأننا نعمل بذلك ضد فكرة المسرح القائمة على أنها علاقة فضائية سمعية بصرية حسية جسدية قبل أن تكون فكرية ولأجل أن تتحرك في الفضاء بتوازن عليك أن تضع نفسك مادياً وجسدياً في الفضاء. فالدراما هي عملية (كشف عن هوية المحتفل) التي لا تكشف عن نفسها إلا على المحك وهذا هو منطق التمثيل ومساحته. اننا نعيش في عصر الخطابات السياسية والخطاب السياسي هو الطاغي على مجمل العملية الاجتماعية ويعتمد في الأساس على اللغة والاختفاء خلف الشعارات والقول المراوغ أي انك تتحدث كثيراً ولا تقول أي شيء ان اللغة تستخدم في الخطاب السياسي لتفعيل الاخفاء والغاء الحقيقة وليس لتفعيل الاتصال والاندماج. لهذا بدأت تحيل الى نفسها فقط وليس الى الحقائق. تطورت هذه المهارات في الخطابات الى درجة الغاء الفعل الانساني بتراكيب لغوية في منتهى المهارة صناعة الوهم بدلاً من صناعة حياة ملموسة تتوفر فيها ابعاد المساواة والحقوق والحريات لذلك ان هذه الخطابات لا تكشف عن نفسها الا عندما ترتفع الى مستوى العمل والفعل أو عندما تشارك في الاحتفال لتكشف عن هويتها وهذا التحول مقصود له مكان في مفهوم الدراما والشعيرة القديمة التي يتحول فيها فرد الى آخر (حيوان ـ بطل ـ اله)، أو العكس (اله ـ بطل ـ حيوان) كما هي في لغة عصرنا فالأشياء التي تفعل هي روح الدراما وهو مجال الممثل على المسرح ومن تكشف هوية الشخص وطبيعته تظهر فكرة المسرح كما حدث مع أوديب عندما اصطدم مباشرة مع الأحداث أو المواقف وهذا هو العنصر المادي الملموس لتدريس مادة فن الممثل وهي الفرصة المتاحة لأي فرد لكي يتأمل نفسه وأجهزته كيف تعمل وتنتج. هذه العملية تخص التقنيات في خدمة الحياة الاجتماعية. الجسر مهمة فن الممثل والدراما هي العودة الى الجسد الى المسكن الأصلي للمسرح الى ما قبل المعنى والتعبير الى الأدوات والعناصر والمراكز لتنظيم الطاقة الكامنة فيها مثلما انفصلت اللغة عن الجسد كذلك انفصلت الاسطورة من الطقس التمثيلي كان المشارك بالطقس بجسمه يعود محملاً بقوة جديدة للعمل. لم تنفصل الأسطورة عن الطقس الا بعد نشوء طبقة حاكمة كانت ثقافتها منفصلة عن عمل الانتاج يقول تومسن كانت هذه الطبقة أرستقراطية عسكرية حكمت بموجب حق الفتح وبعد انتهاء المعركة كان المحاربون المتعبون ينسون اعيائهم حيث كانوا يصغون الى قصة شعرية بسيطة ينشدها أحدهم أو قوّال وذلك على شرف انتصارهم ولم تكن وظيفة هذه القصص الشعرية الاعداد للعمل كما كان وظيفة الطقس وإنما كان للاسترخاء بعد العمل فالطقس الذي يتم تنفيذه بواسطة المشاركة الجسدية بالرقص والموسيقى كانت لها وظيفة انتاجية اما الاسطورة التي تعتمد الادب والقص كانت لها وظيفة استرخائية لأن القوال كان يغني اليوم انتصار الأمس اما المشارك في فرضية الطقس كان يجدد نفسه بواسطة المشاركة المادية لاحتواء الواقع عملياً وتحريكه باتجاه الانفتاح الى المستقبل لهذا عندما يتحدث أرسطو عن الدراما لا يتحدث عن الذي حدث إنما ما يمكن أن يحدث غداً لأنه قائم على التخلي عن الهوية القديمة والتماهي في الهوية الجديدة المفترضة. فالابداعية النوعية للفن المسرحي تنشأ من العمل المباشر مع المواد الحساسة من الأجهزة والأدوات والمراكز لذلك ان هذا الفن خرج من الحركة والرقص والحدث وليس من الخطاب. المسرح مقترح اجتماعي لذلك نخضع المتلقي أيضاً لنفس الشروط الانتاجية في الانتقال والتطور والتحول فعندما يقول ارسطو ان هدف الدراما التطهير يعني انك بمشاركتك العاطفية والفكرية والجسدية في حفلة العرض تدخل في العملية الى درجة اندماج ثم شعورك عقب مشاهدة حفلة العرض والأثر الملطف المرتبط بادراكنا ان ما حدث أمامنا ليس حقيقياً.. شبيهاً باستيقاظ الانسان من النوم بعد كابوس مفزع أي شبيه بعلاقة الموت بالميلاد... ترك حالة والدخول في حالة واكتساب خبرة من الحدث الوهمي وهذه كانت نقلة نوعية في فن الدراما يشبه عملية التلقين البدائي ليس على مستوى الخبرة المادية بل على مستوى الخبرة الوهمية انطلاقاً من مبدأ بدائي قديم (انك بخلقك الوهم تسيطر على الواقع) فالمتلقي المشارك بحفلة العرض يفترض ان يخرج الى الواقع ويعيد قراءته بطريقة مختلفة حسب خبرته الجديدة التي اكتسبها من العرض الايهامي. هذه النقلة سلخت فكرة المسرح من جسد الانسان لكي تتحول الى ظاهرة ثقافية منفصلة فوق خشبة المسرح لكن تبقى الخصوصية النوعية للمسرح هي المشاركة في التنمية بشكل غير مباشر البطل البدائي الذي كان مسكوناً بالمسرح يتدرب على سلوك الحيوان الذي كان من الواجب دراسة عاداته قبل التمكن من صيده في مرحلة تالية وبسبب تحسينات في التقنية حلت مكان هذه الوظيفة وظيفة التدريب السحري حيث كان أفراد العشيرة بمحاكاتهم سلفاً للعملية الناجحة الخاصة للبحث عن الطعام يثيرون في أنفسهم الطاقة الجماعية والمنسقة اللازمة للمهمة الفعلية حيث يقوم السحر البدائي كما ذكرت سابقاً على الفكرة القائلة انك بخلقك الوهم تسيطر على الواقع وهذا أسلوب وهمي مكمل لنواقص الواقع وليس لأخفاء الواقع كما في الخطاب السياسي. هذا يدعونا باستمرار إلى ان لا نتعامل مع النتائج بل مع البيئات التجريبية النشطة لأن النتائج تدخل مادة التاريخ المسرحي أو تاريخ الاداء المسرحي وتحولاته واكتشافاته بمعزل عن البيئات التي انتجت تلك الاكتشافات ان استحداث مادة لتدريب الممثل حتى لا يكون هناك مضيعة للطالب أو المتدرب على اختبار أجهزته الادائية والتعبيرية على مقاييس عصره ومتطلبات الفراغ المسرحي الجديد المعاصر يتطلب ذلك اختبارات تستغرق زمناً طويلاً لتشخيص العيوب الادائية للفرد والمجتمع المسرحي على كيفية استثمار الزمان والمكان والطاقة والحركة والمدد التي تستغرقها ثيمة هذا العصر القائم على المعلوماتية والاتصال السريع وكيفية تناول هذه الثيمة ومعالجتها مع منظومات ومراكز الجسد فالتدريب بعيداً عن الأدوار التمثيلية تمثل حافزاً ومنشطاً للأجهزة على التكيف والتنظيم وهذه تتحول مع مرور الزمن الى مهارات مخزونة في اللاوعي يقول غوته (ان مهنة الممثل تتطور وسط الناس لكن فنه يتطور على انفراد). نعم الممثل بحاجة الى الناس لكي يتحرك بينهم وعلى المحك يكتشف شخصيتهم لكنه يصنع المعنى من موارده الخاصة من ثروته المهارية الخاصة ويبلور التقنية التي تعطيه امكانية استخدام موارده للتحكم بالمعنى. ان فهم النص واستيعابه ليس بالعملية المعقدة وفي أغلب الأوقات يعتقد الممثل أنه سوف يترجم على خشبة المسرح ما فهمه بينما هو على ما يبدو لا يفعل ذلك حقيقة، وهذه هي المشكلة لأن ادراك الفرد لا يتوافق مع وسائله وأدواته فالادراك يمتد ويتسع بينما الوسائل والأدوات لا تتعدى نقطة محددة لأنها ما اختبرت ولا خضعت لتدريبات طويلة الأمد لكي يكتشف عيوبها ومساحتها الممثل يأتي الى المادة أو الموقف أو الحدث الذي سيعالجه بأدوات جاهزة ومتدربة وهذه لا تتم من خلال تبنيه للأدوار انما من خلال وضع اجهزته تحت سقف فرضيات التدريب وهذه ستعطيه قدرة استراتيجية لاحتواء المواقف والشخصيات. ان المقررات النظرية والفلسفية التي تريد الانخراط في مهنة التمثيل عملية مشكوك فيها وخاصة عندما يأتي الطلاب الى المعهد أو الكلية ويتم تغذيتهم بأعقد النظريات الفلسفية وفي الوقت نفسه بأعقد الشخصيات التي يمثلوها ومن خلال خبرتي في مادة فن الممثل ألاحظ دائماً في الصف الأول يبدأون من النهاية حيث يمثلون ويحفظون أوديب وهاملت وماكبث وتريسياس واليوس قيصر وخطبة بروتس وليدي ماكبث... الخ. وهو ما زال غير ناضج عقلياً وانفعالياً نمنحه الحقيبة السياسية لقيادة الدولة وندعوه الى حفظ اعقد الخطابات السياسية وبالتالي يتخرج مضطرباً لا يميز بين الفلسفة والمهارة والتحليل والتاريخ وعلاقة ذلك بالمعنى والحدث لأننا نصدمه بتلك الأسئلة الوجودية عن المصير والمعنى قبل ان نعرفه على أجهزته وأدواته التي بواسطتها يدير المعنى ويتحكم به. اننا بواسطة اجهزتنا وأدواتنا نرسم الصورة في الفضاء لذلك علينا أن نطور علاقة تلك الأدوات والأجهزة بالزمن وبالمكان والفضاء والفراغ والمساحة والمدد لأن هذه المعرفة ستطور عندنا القدرة على الامتداد بوضوح وبمهارة فنية في هذه المساحات ونتعلم كيف نوزع المدد والأزمنة على مساحة الفعل. فالمسألة ليست عملية فكرية بقدر ما هي تقنية عقلية وعاطفية لإثارة الأسئلة عن معنى العصر بذلك نستطيع ان نطابق ذواتنا مع فننا لا أن نطابق فننا مع ذواتنا. ان توجيه الطلبة ـ ممثلين أو ممثلين طلبة يتطلب الى جانب فرضية التدريب اضفاء سمة الفردية على منهج توجيه الطالب وهي السمة التي تجعل تدريس او توجيه التمثيل مغايراً لأي نوع من المجالات الأكاديمية لأنه يتعلق بكشف قدرات كل فرد أو كل متدرب على حدة لأن أجهزة التعبير تكمن داخل الجسد وليس خارجه ولكل امتداداته وخصوصياته في الاختلاف والتباين وعلى المدرس ان يكون حساساً تجاه احتياجات ومهارات ومواطن قصور وقوة كل فرد على حدة وطالما كلية الفنون الجميلة مؤسسة اكاديمية يجب ان لا نعتمد على أسطورة "بأنهم أي الطلبة يستطيعون أن يصلوا بموهبتهم وحدها من دون معرفة حرفتهم" لذلك أن أهم خطوة في تدريس مادة التمثيل هو كسر اعتماد الطالب على المدرس واعتبار المدرس جزء من البيئة المنشطة لاختبار الأجهزة وكشف الهويات فالتمرين هو سيد الموقف والمعلم الأول وهو شبيه بالاحتفال الطقسي القديم الذي من خلاله تتكشف كل الأشياء ومن خلاله أيضاً يتم كشف الهوية وكلما يستمر التمرين ستزول ارتباكات الهوية القديمة لصالح انضباط الهوية الجديدة وتوازنها (وتؤكد فيولا سبولين على أهمية أن يكون الطالب الممثل متحرراً من المشاعر التي تصاحب انتظار قبول المدرس ـ المخرج لعمله أو الخوف من رفضه. وهي تعتقد أن فكرة الرفض أو القبول هذه تقتل الإبداع في الطالب الممثل وتجعله فاقداً لهويته الذاتية التي هي حجر الأساس في عملية الاختبار.
|
|
pop.imad المدير العام


   العمر : 18 سجّل في : 16 فبراير 2008 عدد المساهمات : 456 المملكة المغربية :  البلد : المغرب المدينة : fes
| موضوع: رد: تأملات في الدراما والتمثيل/ د.هيثم عبد الرزاق الأحد مارس 16, 2008 1:38 pm | |
| merci _________________
 |
|